قالت صحيفة "ذا ريو تايمز"، إن إثيوبيا تخطط لبناء ثلاثة سدود إضافية إلى جانب سد النهضة الذي تم إنجازه بالفعل، مما يمنحها سيطرة أكبر على النيل الأزرق مقارنة بأي دولة أخرى في المصب- على نهر لا تستطيع مصر الاستغناء عنه.

 

وفي أواخر مارس 2026، أعلنت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية عن ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق: كارادوبي، وماندايا، وبيكو آبو. بتكلفة تقديرية لكل منها تبلغ حوالي 3.5 مليار دولار.

 

ويقول المسؤولون في إثيوبيا إن بناء هذه السدود سيستغرق من أربع إلى سبع سنوات، وسيتم تشغيلها معًا، بقدرة إنتاجيبة تبلغ نحو 5700 ميجاواط، بالإضافة إلى 5150 ميجاواط من سد النهضة، الذي افتتحته إثيوبيا في سبتمبر 2025 بعد أكثر من عقد من البناء.

 

وتؤكد إثيوبيا أن هذه المشاريع تهدف إلى توليد الكهرباء، لا إلى حرمان السكان من المياه، وأن السدود تولد الطاقة دون استهلاك مياه النهر. ولا يزال أكثر من نصف سكان البلاد يفتقرون إلى الكهرباء بشكل منتظم، مما يشكل فجوة تسعى هذه المشاريع إلى سدها.

 

كيف تعمل سدود النيل الأزرق الجديدة؟ 


صُممت هذه السدود الثلاثة لتعمل كسلسلة متكاملة مع سد النهضة الإثيوبي، وليس كمشاريع مستقلة. ويقول المهندسون إن مشروع كارادوبي سيحجز الرواسب القادمة من المنبع، مما يطيل عمر سد النهضة.

 

وستوفر محطة مانديا طاقة ثابتة على مدار العام، بينما ستستغل محطة بيكو آبو ممرًا ضيقًا لزيادة الضغط اللازم لتشغيل توربيناتها. وبذلك، ستُمكّن هاتان المحطتان إثيوبيا من إدارة تدفق النيل الأزرق بكفاءة أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.

 

لماذا تشعر مصر بالقلق؟


تستمد مصر نحو 98% من مياهها العذبة من النيل، ومعظمها من النيل الأزرق الذي ينبع من المرتفعات الإثيوبية. وبالنسبة للقاهرة، فإن أي إجراء يسمح لجارتها الواقعة في أعالي النهر باحتجاز المياه يُعد قضية وجود وأمن قومي.

 

ويقول المسؤولون في مصر إن البلاد فقدت بالفعل حوالي 38 مليار متر مكعب من المياه أثناء ملء خزان سد النهضة بين عامي 2020 و2022. وفي أوائل عام 2026، طالبت القاهرة بتعويض عن تلك الخسارة.

 

وحذر خبير مياه بجامعة القاهرة من أن السدود الجديدة تنذر بتغيير جذري في كيفية إدارة النيل الأزرق، مما يزيد من ندرة المياه في مصر.

 

ولا يكمن الخوف في سنة بعينها بقدر ما يكمن في السيطرة. فالجار الذي يملك القدرة على تحديد موعد ملء خزانات المياه وموعد تصريفها، يمتلك نفوذًا على مزارع مصر ومدنها ومحطات توليد الطاقة فيها.

 

عقد من الزمن بدون اتفاق


ولم تُسفر أكثر من عشر سنوات من المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان عن أي معاهدة ملزمة بشأن كيفية تقاسم مياه النهر أو كيفية التعامل مع حالات الجفاف، ليؤدي كل موسم لملء السد إلى إعادة فتح النزاع.

 

وتُصوّر إثيوبيا السدود على أنها حق سيادي لها في التنمية، إذ تُخرج الملايين من ظلام الليل وتحوّل صادرات الطاقة إلى مصدر دخل. بينما تُصوّر مصر المشاريع نفسها على أنها تهديد وجودي.

 

ترامب يعرض التوسط 


وقد لفت هذا المأزق انتباه جهات خارجية. ففي يناير 2026، عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوسط بين القاهرة وأديس أبابا بشأن النهر.

 

من جانبه، اختار الاتحاد الأفريقي الأمن المائي والصرف الصحي شعارًا له لعام 2026، في إشارة ضمنية إلى مدى تزايد خطر اشتعال المياه في جميع أنحاء القارة. ويبقى من غير الواضح ما إذا كان بإمكان أيٍّ منهما التوصل إلى اتفاق.

 

السودان.. الطرف الثالث


لا تعد مصر الدولة الوحيدة الواقعة في مصب النهر التي لها مصلحة في المشروع. فالسودان يقع بين إثيوبيا ومصر على نهر النيل، ولطالما كانت لديه مشاعر متباينة تجاه سد النهضة.

 

ويُمكن للسد أن يُثبّت تدفق النهر ويُحدّ من الفيضانات التي تُصيب المدن السودانية، وهو ما يُعدّ فائدة حقيقية. لكن السودان، الذي يُعاني من ويلات الحرب، لا يملك القدرة الكافية على التأثير في كيفية إدارة السدود الجديدة.

وهذا يترك مستقبل الحوض إلى حد كبير في أيدي أديس أبابا والقاهرة، وهما حكومتان لا تثقان ببعضهما البعض.

 

ما الذي تفعله مصر حيال ذلك؟


في ظل عجزها عن إيقاف بناء السدود، تحاول مصر التكيف. فهي تستثمر بكثافة في تحلية مياه البحر، وإعادة تدوير مياه المزارع والصرف الصحي، وترشيد الاستهلاك.

 

وتُخفف هذه الإجراءات من وطأة الأزمة، لكنها لا تُغني عن النيل. كما أنها تُكلف مصر أموالاً لا تستطيع تحملها في ظل معاناتها من أزمة اقتصادية أوسع نطاقاً.

 

صراع أوسع 


يمثل النزاع على النيل مؤشرًا على صراع أوسع نطاقًا على المياه سيؤثر على السياسة الأفريقية لعقود قادمة. فالأنهار لا تعترف بالحدود، والبنية التحتية المقامة عليها تضمن الأفضلية لمن يبادر بالتحرك أولاً.

 

وعند اكتمال سلسلة السدود، ستمتلك إثيوبيا بنية تحتية مائية على النيل الأزرق تفوق أي دولة أخرى في المصب. وهذا التحول في موازين القوى، أكثر من أي سد منفرد، هو ما يُقلق مصر.

 

وتتصاعد نزاعات مماثلة على أنهار أفريقية أخرى، من النيجر إلى الزامبيزي، حيث تتسابق الحكومات لبناء السدود عليها طمعًا في الطاقة. ويُعدّ نهر النيل أكبر وأبرز اختبار لتحديد من يسيطر على مياه القارة.

https://www.riotimesonline.com/ethiopia-blue-nile-dams-egypt-water-2026/